ـ الإتحاد العام التونسي للشغل في العشريتين الأخيرتين: انحطاط بالجملة
أ ـ نقابة مشاركة
يمكن القول أنه وفي ظل غياب الأداة السياسية الثورية للطبقة العاملة التونسية والتي بإمكانها قيادة هذه الطبقة وتمثل مصالحها ومصالح حلفائها من فئات الشعب المفقرة والمستغلة فقد لعب الإتحاد العام التونسي للشغل وعلى امتداد تاريخه الإطار الذي تمظهرت فيه أغلب نضالات هذه الطبقة ونضالات شرائح عديدة من البرجوازية الصغيرة ضد سياسات الاستغلال الاقتصادي والقهر الاجتماعي والسياسي. هذا المعطى أدركته السلطة جيدا في 1987 وتعاملت معه طيلة العشريتين الفارطتين بما مكنها من مواصلة نفوذها وتنفيذ سياساتها دون معارضة تذكر وقد جنبها ذلك حتى الآن على الأقل حدوث هزات اجتماعية وسياسية يمكن أن تعرض سيطرتها الطبقية إلى عدم الاستقرار.
لقد وعت السلطة في 1987 أن الإتحاد العام التونسي للشغل بما له من إمكانيات على تعبئة الشغيلة يمكن أن يلعب دورا محدّدا في تشكّل قطب طبقي شعبي معارض لمجل اختياراتها السياسة والاقتصادية والاجتماعية. لذلك سعت ومنذ صعودها إلى احتوائه وتدجينه وذلك بكسب قياداته البيروقراطية ودفعها إلى تبني منظور جديد للعمل النقابي يقوم على المشاركة والمساهمة .
إن خطة تحويل النقابات إلى نقابات مشاركة هي خطة وضعها رأس المال المعولم وتبناها شركاؤه ووكلاؤه المحليون مع ما تبنوا من مخططات [مخططات إعادة هيكلة الاقتصاد والتفويت في القطاع العام وفتح الحدود للمستثمرين والمضاربين وللشركات الرأسمالية العابرة] لتلطيف النتائج الكارثية التي ستتسبّب فيها هذه السياسات وبالخصوص على الطبقة العاملة وجمهور كبير من شرائح البرجوازية الصغيرة في الريف والمدينة. وقد تبنت السلطة هذا التوجه ونفذته ونجحت فيه إلى حدّ كبير إلى حدّ الآن.
لم تجد السلطة في بداية التسعينات مقاومة تذكر من داخل الإتحاد العام التونسي للشغل عند تمرير توجه المشاركة وضرب مفهوم النقابة المطلبية فلم يكن بمقدور الحركة النقابية في ذلك الوقت مواجهة هذا التوجه بالنضال ولم تكن اللوائح أو شعار لا للنقابة المشاركة الذي رفعته بعض النقابات الأساسية والوسطى أن يثني السلطة والبيروقراطية النقابية على الاستمرار في تحالفهما وتكريس هذا التوجه. كذلك لم يكن بمقدور اليسار النقابي الموكول له انطلاقا على الأقل مما كان يرفعه من شعارات أن يتصدّى لهذا التمشي وظهر عاجزا عن تمثيل أي دور فعلي في إسقاط توجه المشاركة والتمسك بمفهوم النقابة المطلبية ناهيك عن عجزه عن تشكيل قطب طبقي معارض له وزنه.
إن نجاح السلطة في بداية التسعينات في تحويل الإتحاد العام التونسي للشغل إلى نقابة مشاركة وتجريد الحركة العمالية من أداتها النقابية المطلبية كان إيذانا بدخول العمال وفئات عديدة من الشعب مرحلة جديدة من التفقير والاستغلال والقمع المعمم تجلّت بوضوح وتعمّقت على مدار العشريتين الأخيرتين وبلغت أشدها في السنوات الأخيرة. لقد لعبت البيروقراطية دورا فعّالا في بلوغ الشغيلة التونسيين هذا الحدّ من البؤس والتفقير والاستغلال لما زجّت بالإتحاد ليتبني سياسة مناهضة لمصلحة منخرطيه بتعبيد الطريق للدولة والأعراف الرأسماليين لتمرير برنامج تأهيل الاقتصاد وما رافقه من اتفاقيات شراكة وبالمساهمة في تمرير مشاريع الخوصصة والتفريط في القطاع العام و قبول كل ما انجر عنها من طرد وتسريح لأعداد هائلة من العمال ومن تدهور لا سابق له للقدرة الشرائية للأجراء والموظفين ومن تدمير لشرائح عديدة من البرجوازية الصغيرة في المدن والأرياف.
ب ـ قوانين بيروقراطية
ولأنها وجدت نفسها طليقة الأيدي في الشأن النقابي ولمزيد إحكام قبضتها على الإتحاد ولتثبيت نفوذها أكثر فقد نجحت البيروقراطية النقابية وأداتها التنفيذية [المكتب التنفيذي] وعلى امتداد العشريتين الأخيرتين في تغيير بعض بنود النظام الداخلي للمنظمة بما يضمن لها أكثر ما يمكن من الهيمنة. لقد اعتمدت البيروقراطية في كل مرة تلجأ فيها إلى انتهاك قوانين المنظمة على المكتب التنفيذي المركزي وفي مرات عديدة وخصوصا في السنتين الفارطتين كذلك على الهيئة الإدارية هذين الهيكلين البيروقراطيين الذين لعبا دور المشرع لكل الانتهاكات ومكنا الأمين العام للإتحاد ومكتبه التنفيذي من صلاحيات مطلقة مقابل الحدّ من صلاحيات وحقوق هياكل الإتحاد الأخرى والتي أصبحت عمليا عاجزة عن اتخاذ أي قرار مستقل جهوي أو قطاعي وبذلك اختزلت المنظمة في شخص أمينها العام ومكتبه التنفيذي واللذان أصبحا يتصرفان في الشأن النقابي كما يحلو لهما (الأمين العام وكأنه مدير عام لمؤسسة خاصة ـ ومكتبه وكأنه مجلس إدارة هذه المؤسسة).
إن الأمثلة على انتهاك الديمقراطية عديدة لكن وقبل الإشارة إلى بعضها لابد أن نؤكد على أن النظام الداخلي والقانون الأساسي اللذان تعرضا ويتعرضان إلى الانتهاك هما في حد ذاتهما بيروقراطيان ويسمحان بهذه الانتهاكات. فالنظام الداخلي مثلا يشترط موافقة المكتب التنفيذي المركزي على كل القرارات التي تتخذها الهياكل القطاعية أو الهياكل الجهوية وفي أي مستوى كانت ومهما كانت هذه القرارات حتى تصبح قابلة للتنفيذ كما ينص على ذلك الفصل 49 من النظام الداخلي وكما وقع التأكيد على ذلك في المنشور 83 الذي صدر في مارس 2008 والذي صادر ومنع وبصريح العبارة كل مبادرة نضالية وجرد كل الهياكل من اتخاذ أي قرار بصفة مستقلة. كما يخول القانون الأساسي للهيئة الإدارية للإتحاد تحوير القوانين كما تشاء ففي الفصل السادس والثمانون مثلا من القانون الأساسي نقرأ «يمكن للهيئة الإدارية الوطنية إضافة أو توضيح بعض الفصول في النظام الداخلي حسب الوضعيات والإشكاليات التي لا يوجد لها نص واضح في الغرض…» لقد اعتمدت البيروقراطية على هذا الفصل لتمرير عديد الانتهاكات ولعل آخرها التحوير الذي أقرته هذه الهيئة والقاضي بالتخويل للجان النظام في الإتحاد باتخاذ قرارات تأديبية في حق المنخرطين ممن لا يتحملون مسؤولية نقابية لتبرير حملة الإقصاء الأخيرة التي تعرضت لها الأصوات المعارضة لسياسة المشاركة ومصادرة حق التعبير والاختلاف والرافضة لسياسة السلم الاجتماعية والتي استهدفت العشرات من النقابيين منهم من هم هياكل ومنهم من هم منخرطون فقط.
ولأن قوانين الإتحاد في حد ذاتها ليست قوانين ديمقراطية فقد سهلت موضوعيا للبيروقراطية ولجهازها التنفيذي الاستمرار في انتهاك الديمقراطية. إن أمثلة انتهاك الديمقراطية في العشريتين الأخيرتين كثيرة ومتعددة ولعل أبرزها:
( منع الإضرابات ـ منع الإعتصامات وكل أشكال النضال التعبوية ـ منع الهيئات الإدارية القطاعية ـ تعطيل المجالس القطاعية ـ إمضاء الاتفاقيات بدل الهياكل المعنية ودون موافقتها ـ التلاعب بعدد المنخرطين أثناء المؤتمرات ـ تزوير الانتخابات ـ الانقلاب على التشكيلات النقابية التي لا تدين بالولاء للجهاز البيروقراطي وللأمين العام وإقامة المؤتمرات الإستثنائية لإقصائها ـ إساءة التصرف في أموال الاتحاد وتبذيرها وتسخيرها في شراء الذمم ـ الترفيع في معلوم الانخراط دون الرجوع إلى القاعدة النقابية ودون موجب يحتم هذه الزيادة وبمثل تلك النسبة أكثر من 30 %ـ إقصاء النقابين المعارضين لتوجه البيروقراطية ـ منع حق إقامة الاجتماعات والتجمعات دون موافقة البيروقراطية ـ التصرف في مقرات الإتحاد على اعتبارها ملكية خاصة توصد أبوابها وتفتح كما يشاء الجهاز البيروقراطي ـ ترهيب النقابيين بسيف لجنة النظام واستعمال هذه الهيئة لتصفية المعارضين…)
إن انتهاكات بمثل هذا الحجم وهذا الاتساع لا يمكن التصدي ل
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |